محمد بن جرير الطبري

276

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم ؟ قيل : خَطأٌ أن يقال إنهم خَدعوا المؤمنين . لأنَّا إذا قلنا ذلك ، أوجبنا لهم حقيقةَ خدعةٍ جازت لهم على المؤمنين ( 1 ) . كما أنَّا لو قلنا : قتل فلان فلانًا ، أوجبنا له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلان . ولكنا نقول : خادَع المنافقون رَبَّهم والمؤمنين ، ولم يَخْدَعوهم بَل خَدعوا أنفسهم ، كما قال جل ثناؤه ، دون غيرها ، نظيرَ ما تقول في رجل قاتَل آخر ، فقتَل نفسَه ولم يقتُل صاحبه : قاتَل فلان فلانًا فلم يقتل إلا نفسه ، فتوجبُ له مقاتَلةَ صاحبه ، وتنفي عنه قتلَه صاحبَه ، وتوجب له قتل نفسه . فكذلك تقول : " خادَعَ المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم يخدعْ إلا نفسه " ، فتثبت منه مخادعةَ ربه والمؤمنين ، وتنفي عنه أن يكونَ خَدع غير نَفسه ، لأن الخادعَ هو الذي قد صحّت الخديعة له ، وَوقع منه فعلُها . فالمنافقون لم يخدَعوا غيرَ أنفسهم ، لأنّ ما كان لهم من مال وأهلٍ ، فلم يكن المسلمون مَلَكوه عليهم - في حال خِداعهم إياهم عنه بنفاقهم وَلا قَبْلها - فيستنقِذُوه بخداعهم منهم ، وإنما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غيرَ الذي في ضمائرهم ، ويحكُم الله لهم في أموالهم وأنفسهم وذراريهم في ظاهر أمورِهم بحُكْم ما انتسبوا إليه من الملّة ، والله بما يُخْفون من أمورِهم عالم . وإنما الخادع من خَتَل غيرَهُ عن شيئِه ، والمخدوعُ غير عالم بموضع خديعةِ خادعِهِ . فأما والمخادَع عارفٌ بخداعِ صاحبه إياه = غير لاحقِه من خداعه إيّاه مكروهٌ ، بل إنما يَتجافى للظَّانّ به أنه له مُخادع ، استدراجًا ، ليبلغ غايةً يتكامل له عليه الحُجَّةُ للعقوبة التي هو بها مُوقع عند بلوغه إياها ( 2 ) ، والمُسْتَدرَج غيرُ عالم بحال نفسه عند مستدرِجِه ، ولا عارف باطِّلاعه على ضميره ، وأنّ إمهالَ مستدرِجِه إياه ، تركه معاقبته على جرمه ( 3 ) ليبلغ المخاتِل المخادِعُ - من استحقاقه عقوبةَ مستدرِجِه ،

--> ( 1 ) في المطبوعة : " جاءت لهم على المؤمنين " ، وهو خطأ . ( 2 ) في المطبوعة : " التي هو بها موقع " ، وعنى : العقوبة التي هو موقعها به . . . ( 3 ) في المطبوعة : " وأن إمهال مستدرجه ، وتركه إياه معاقبته على جرمه " ، وهو خطأ مفسد للمعنى .